الرئيسية / مختارات / ” الوطن” انهيار دولة أصحاب «العمائم البيضاء»
جامع الأزهر

” الوطن” انهيار دولة أصحاب «العمائم البيضاء»

سعيد حجازى – عبد الوهاب عيسى :

المؤسسات الدينية فشلت فى السيطرة على المنابر فتلاشت الرموز وابتعد المواطنون عن الدعاة

«داخل أروقة الجامع الأزهر يجلس العلماء فى مجالس العلم، بعمائم بيضاء محفوفين بالعشرات من طلاب الأزهر وطالبى العلم من مختلف الجنسيات، الذين يفترشون الأرض مرفوعى الهامات صامتين لتلقى العلم الشرعى»، مشهد بدأ يتلاشى لدى كثيرين من متابعى مسار الدعوة فى مصر، فى ظل اضمحلال العمل الدعوى وانهيار دولة الدعاة، وضياعها بين «السياسة والوظيفة والمصالح الشخصية»، فرغم إعلان شهادة وفاة مشايخ السلفية بعد ثورة 30 يونيو، التى أدرك فيها الشعب أن الجماعات الإسلامية ذات مصالح خاصة بعيدة عن الدين، لم تستطع المؤسسة الدينية الرسمية وهى مؤسسة الأزهر السيطرة على العمل الدعوى فى مصر، كذلك لم تستطع المنابر التى تسيطر عليها وزارة الأوقاف حشد المريدين لها، فأصبحت دولة الدعاة «أثراً بعد عين» وباتت النجوم الدعوية الساطعة فى سماء المجتمع لا شىء، حيث تولى عنهم الناس والإعلام ورواد مواقع التواصل وبات المواطن المصرى فى نفور واستياء من جميع الدعاة. «الوطن» تفتح ملف انهيار دولة الدعاة وتبحث عن أسبابها، وتطرح أمر تراجع وفشل الأزهر والمؤسسات الدينية فى السيطرة على المنابر، وتستطلع رأى أزهريين ليحللوا الظاهرة ويضعوا السبيل للخروج من الأزمة وإيقاظ الأزهر للقيام بدوره الدستورى، وتبحث مع خبراء الإسلام السياسى أسباب تراجع دعاة هذا الفصيل الذى ملأ السمع والبصر قبل ثورة يناير وإمكانية العودة للساحة بعد هذا الانهيار، كما تبحث فى أسباب انتهاء ظاهرة الدعاة الجدد، وتحاور نقيب الدعاة للتعرف على أسباب انهيار دولة الدعاة، وتستشرف معه مستقبل الدعوة التى يؤدى غياب دعاتها لتلاشى صوت القيم والأخلاق المجتمعية.

نقيب الدعاة: الإمام يمرض ولا يموت.. ولا نهدف لمصالح سياسية..نقيب الدعاة: الإمام يمرض ولا يموت.. ولا نهدف لمصالح سياسية.. وننشر الإسلام الصحيح

الشيخ محمد البسطويسى

قال الشيخ محمد البسطويسى، نقيب الأئمة الدعاة، إن هناك 60 ألف إمام وداعية فى الشارع لتوصيل الصورة الوسطية للدين، وأوضح البسطويسى، خلال حواره مع «الوطن»، أن الإمام يمرض ولا يموت، وأنه لا توجد أى مصالح سياسية لدى الأئمة بل هدفهم نشر الإسلام الصحيح، محملاً الإعلام والدراما أسباب ضياع صورة الإمام فى الشارع المصرى.. إلى نص الحوار.

لماذا تراجع دور دعاة الأزهر والأوقاف خلال السنوات الماضية؟

– لم يتراجع دورهم نهائياً، بل نحن موجودون على مستوى الجمهورية، من خلال 60 ألف إمام وخطيب وداعية تابع لوزارة الأوقاف، نقوم بتصحيح المفاهيم ومواجهة الفكر المتطرف والشذوذ الفكرى لآخرين، فنحن فى مهمة وطنية وقومية وربانية، كذلك الإعلام تسبب فى أزمة كبرى لمن يرتدى «الجبة والقفطان»، فالزى الأزهرى شرف لكل شخص أن يرتديه، فنحن أبناء الأزهر والعاملين بالأوقاف نفتخر بدورنا الدعوى الذى نقوده بقيادة د. مختار جمعة وزير الأوقاف، لكن حينما يخرج من يرتدى هذا الزى ليغنى أو ليقوم بدور غير دعوى فهو يعطى انطباعاً خاطئاً عن هؤلاء الرجال، فالمشايخ الكبار حول العالم من خريجى الأزهر، فللأسف لدينا أزمة أن الدراما والسينما أظهرت الشيخ أنه راجل بتاع فتة ونساء وخمر، وأنه رجل غير صادق ويطيع من يعطيه المال، فكل تلك الأمور قللت من هيبة الإمام فى الشارع المصرى.

وكيف ترى الجماعات المتطرفة التى تنشر فكرها فى ظل غيابكم؟

– غياب الأئمة عن الساحة فى فترة عصيبة من تاريخ مصر أعطى الفرصة لكل «زاعق وناهق» أن يفتى فى أمور الدين، فتلك الجماعات الإرهابية صدّرت للناس رؤى فكرية دينية ليس لها علاقة بالدين فى شىء، والآن نسعى لتجديد الخطاب الدينى، لكن من يطلقون على أنفسهم الدعاة الجدد أصحاب البدل والتشيرتات يسيئون لهذا التجديد المطلوب، فالدعاة الجدد سبب أزمات كبرى، وهؤلاء إلى زوال مع السلفية والإخوان الذين أخذوا من الدين الجلباب القصير واللحية وتركوا السماحة والمحبة والفضيلة، فكل هؤلاء «تعروا» أمام المجتمع، فهم استغلوا الدين لمصالحهم، فالجميع يعول على الأوقاف والأزهر الكثير ليقوموا به فى ظل فراغ العمل الدعوى وبقائنا نحن فقط.

الشيخ «البسطويسى» لـ«الوطن»: 60 ألف إمام وداعية فى الشارع لتوصيل الصورة الوسطية للإسلام.. والدراما والإعلام يشوهان صورتنا أمام المواطن

ما الذى يحتاجه الأئمة والدعاة لينتصروا فى المعركة الدعوية؟

– خلال السنوات الأخيرة هناك تحركات مهمة فى سبيل نشر الدعوة الوسطية الصحيحة إلى الله عز وجل، فما يقوم به د. مختار جمعة وزير الأوقاف اليوم هو الحل من خلال عمليات التدريب والتثقيف والدورات التدريبية المكثفة التى يتولاها كبار العلماء بصحبة المفكرين الإسلاميين والشخصيات المؤثرة فى العمل الدعوى، كذلك هناك الإمام المجدد والإمام المميز، فنحن فى حاجة لتدريب وتثقيف وتجديد فكر كافة العاملين بالعمل الدعوى فى كل المؤسسات، فالتثقيف هو الحل لمواجهة التطرف، وأنا فى ظنى أن الأئمة يتعافون سريعاً، لتوصيل الرسالة الصحيحة للناس من منظور دينى بحت لا ينتظرون ثناء أحد، فهدفهم واضح وصريح فنحن لا نرغب فى تقلد مناصب سياسية بل هدفنا الدعوة إلى الله فالإمام يمرض ولا يموت.

هل صحيح أن الأئمة يعملون فى وظائف أخرى خلال الدعوة؟

– كانت هناك أزمات مادية كثيرة للأئمة فى الحياة الأساسية جعلت معظم الأئمة يتجهون لأعمال أخرى، ولم يكن متفرغاً للعمل الدعوى، وكان هناك آخرون ظلوا على مبدأهم بالدعوة إلى الله فقط دون النظر للمبالغ المادية، وتم خلال السنوات الماضية حل أزمات الدعاة المادية، ونشكر وزير الأوقاف على جهوده فى معالجة ذلك، لكننا ندعو الإعلام ليعطينا القدر الذى أعطاه لمشايخ الإخوان والسلفية على وسائل الإعلام لنصحح المفاهيم الخاطئة وننشر الفكر الوسطى الصحيح، فللأسف الإعلام يترك ذلك ويتجه لشذوذ الأقوال ليظهر صاحبها، وهذا لا يفيد الدولة والإسلام.

وكيف يمكن نشر الفكر الوسطى على مستوى الجمهورية؟

– من خلال استمرار التدريب والتثقيف ونشر الكتب الوسطية الصحيحة وإقصاء كتب التطرف لجماعات الإخوان والسلفية والجماعة الإسلامية والجهاديين وبقاء الجماعات الأخرى، كذلك يجب أن يكون الإمام مشروعاً قومياً ووطنياً، فهو وسيلة نشر الدين الصحيح، فلو فعلنا ذلك لن نجد تسجيلات محمد حسان ومحمد حسين يعقوب وأبوإسحاق الحوينى وآخرين على الفضائيات أو شرائط تسجيلية، فالأئمة يخاطبون العقول ويصححون المفاهيم.

مشايخ السلفية.. سطوة دعوية أنهتها «30 يونيو»

استطاعت الجماعة الإسلامية أن تفرض سطوتها على المشهد الدعوى فى مصر خلال ربع قرن من الزمان، فمن الإسكندرية لسيناء وأسوان انتشرت قيادات السلفية والجماعات الإسلامية الأخرى واستطاعت تكوين خلايا ومريدين؛ ففى الإسكندرية والبحيرة والقطاعات الغربية انتشرت السلفية بقيادة ياسر برهامى، وفى القاهرة الكبرى انتشرت بقيادة محمد حسان ومحمد عبدالمقصود، وفى كفر الشيخ سيطر أبوإسحاق الحوينى، والمنوفية دانت للشيخ محمد سعيد رسلان، والدقهلية الشيخ أحمد النقيب، والشيخ محمود عبدالرازق الرضوانى، صاحب قناة البصيرة، والشيخ مصطفى العدوى، عضو شورى علماء السلفية، والشيخ عبدالله شاكر، رئيس جمعية أهل السنة والجماعة بالقليوبية، وسيد العربى، شيخ سلفية القاهرة، والشيخ عادل نصر بالفيوم، فيما يفضل بعضهم الدروس عبر القنوات السلفية ومنهم محمد حسين يعقوب، بينما ظهرت سطوة الجماعة الإسلامية فى الصعيد.

يقول سامح عيد، خبير الإسلام السياسى: «مشايخ اللحى انكشفوا للشباب باستغلال الدين لمصالحهم السياسية، فحالة الانصراف التام عن الدعاة السلفيين والإخوان بهذا الشكل الواضح أمر جيد جداً ويخدم مصلحة المجتمع المصرى والعربى والإسلامى، فانكشاف أفكار هؤلاء الدعاة وكثرة اعتمادهم على تراث لم يعد يصلح للزمان والمكان الحاليين جعلهم مادة تندر وسخرية على صفحات السوشيال ميديا، وإخراج الشباب لأفكارهم وللأفكار التراثية من بطون الكتب إلى الواقع جعل هناك حاجزاً نفسياً بينهم وبين الناس، فالتيار السلفى غير قادر على مواجهة النقد الحقيقى والواضح من الناس، خاصة الشباب منهم، تربص الشباب للفتاوى الشاذة وخطابات الإخوان وعنفهم وبث مقاطعهم خلق حالة العزوف تلك».

«عيد»: «مشايخ اللحى» انكشفوا باستغلالهم للدين فى قضاء مصالحهم السياسية.. و«بان»: فشل الإسلام السياسى أنهى أسطورة المشايخ بالمحافظات

يضيف: «لقد كان للعولمة والنشاط الكبير للتيار المدنى العلمانى وحتى الملحدين واقتطاعهم لمصائب وفضائح هؤلاء الشيوخ ونشرها دور فى إبعاد الناس عنهم»، وأوضح: «لو أن معركة طه حسين وعلى عبدالرازق مع السلفيين والأزهر فى وقتنا هذا لانتصرا فيها بكل ثقة ولكنها كانت فى وقت السيطرة فيه لهؤلاء الشيوخ لذلك ربحوها».

أما أحمد بان، الخبير بشئون الإخوان والحركات الإسلامية، فيؤكد أن: «جملة التطورات السياسية والاجتماعية التى ضربت مصر فى أعقاب 25 يناير و30 يونيو وحضور الإسلام السياسى بشكل سلبى أضر بالدعوة الإسلامية وبمحاولات إنشاء خطاب دينى مستقل، فالدعوة أصبحت متهمة بأنها إطار لمشروع سياسى وليس عملاً دينياً، ولا بد من استعادة الثقة بها عبر دعاة جدد وأتمنى أن يستعيد الأزهر عافيته فى هذه المرحلة الحرجة».

يضيف «بان»: «انصراف الناس عن الخطاب الدينى بشكل عام سواء إسلام سياسى أيديولوجى أو خطاب المستقلين أو الرسميين له علاقة وطيدة بفشل الإسلام السياسى خلال الخمس سنوات الماضية الكاشفة منذ ثورة يناير وحتى الآن، فكثير من الناس فقد الثقة فى الهدف الأخلاقى لدعاة هذه الجماعات بعد التجربة السياسية الفاشلة، وأصبح الخطاب الدينى ككل متهماً فلم يعد المواطن قادراً على التفريق بين الطرح الدينى الذى يطرحه هذا الداعية وبين الهدف من ورائه سواء سياسى أو شخصى، إضافة للتناقض الواضح بين الحديث والفعل على الأرض، وكان الفصل المبكر بين الدعوة والسياسة بالمغرب العربى نجاحاً كبيراً حمى الدعوة والسياسة هناك».

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE