الرئيسية / مقالات / جمال حمدان.. درس في عشق مصر
إبراهيم النجار

جمال حمدان.. درس في عشق مصر

إبراهيم النجار :

عاش راهبا في محراب العلم، حمل على عاتقه وصف وتحليل شخصية مصر الجغرافية، ليكون بذلك صاحب أول دراسة في عبقرية المكان، عاشت خالدة يستنير بها الجميع. لدرجة أن الجغرافيا لم تُقرأ في مصر من قبله. ولعل النظرية العامة التي تقدمها “شخصية مصر”، هي التفاعل بين بعدين أساسيين في كيانها، هما الموضع والموقع، الموضع يقصد به، البيئة بخصائصها وحجمها ومواردها في ذاتها، أي البيئة النهرية الفيضية بطبيعتها الخاصة، وجسم الوادي بشكله وتركيبه، أما الموقع، فهو صفة نسبية، تتحدد بالنسبة لتوزيعات الأرض، والإنتاج حول إقليمنا وتضبطه العلائق المكانية التي تربطه بها.

كتب جمال حمدان، عشرات الصفحات من خواطره، أتوقف أمام كل منها، متأملا ومتعلما، حيث يقول، العرب بغير مصر “كهاملت” بغير الأمير، سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال كما يتوهم البعض، وإنما صندوق من الذهب الأسود. مصر كانت دائما شعبا محاربا, ولكن دون أن تكون دولة محترفة حرب, لأنها محارب مدافع أساسا لا محارب معتد.

إسرائيل ليست عنكبوتا, ولكنها بناء ملئ بالثقوب، يقوم علي أرض أكثر امتلاء بالحفر, والعلل الأصيلة في مجتمعها هي نقاط قوة لنا في صراعنا ضدها, ونقاط ضعف محققة لها, غير أن إسرائيل، لن تهزم بالنقاط كما يقولون في عالم الرياضة, وإنما تهزم بالضربة القاضية. علي المسلم الذي يكتب عن العالم الإسلامي، أن يضع نفسه في مكان غير المسلم, خاصة الأوروبي المسيحي, ليس فقط ليكون موضوعيا, وإنما، ليستوعب وجهة نظر الآخر. نحن والأقباط شركاء، وإنهم أقرب المسيحيين في العالم، إلي الإسلام بمعني أو بآخر.

كانت صومعته نموذجا غريبا وفريدا، ندر أن يكون لها مثيل لدى أي عظيم. فالكماليات لا وجود لها بل وحتى الضروريات أيضا، الأرض خاصمت بساطها، والستائر مسدلة معنويا، والأثاث بائس لشقة نوم العازب الفقير، والدوائر الكهربائية لم تتصل بسلك تليفون أو شاشة تليفزيون، أو حتى مروحة كهربية. فقط مذياع أثرى وعينا بوتاجاز مسطح لا يعرف “فرن الصواني”، كان عفيف الكبرياء، إذ نقل عنه الناشر المرحوم محمد العلم ذات يوم، أنه كان لا يقبل نقودا عن كتبه مقدما حتى يتم توزيعها. كان يعشق الغناء، ويحب أن يأتيه الثناء. قيل إنه تفوق يوما علي عبد الحليم حافظ، ويشهد على ذلك جمهور له في حفل قديم بفرع جامعة القاهرة بالخرطوم.

هكذا تفرغ دكتور جمال حمدان تماما للعمل العلمي، وعاش حياة شديدة القسوة والزهد،. ثلاثون عاما لم يبحث خلالها عن أضواء أو شهرة، ولكنة ظل يعمل في اجتهاد وصمت، مؤكدا أن الإخلاص في العمل والتفرغ له، هو الطريق الحقيقي إلي النجاح والإجادة. علي العكس مما نراه الآن، من سعي كثير من المفكرين إلي الأضواء، علي حساب الجهد الدءوب والقيمة العلمية.

ونحن في رحاب الذكري الرابعة والعشرين لرحيله، مازال السؤال يتردد، ومازالت هناك علامات استفهام كبيرة لا تنتهي، لا زالت قائمة حتى اليوم، ولم تجد من يفك ألغازها ويجيب علي طلاسمها، حول رحيل واحد من المع وأنبل الظواهر المعرفية في تاريخنا المعاصر، وسط إهمال يعكس جهلا مطلقا بقيمته العلمية والأدبية، ووسط ضياع للإجابة عن سؤال يتعلق بكراسات موسوعته العملاقة، “جغرافيا العالم الاسلامى”. وكراسات كتابة المهم “اليهودية والصهيونية”، وهو السؤال الذي لم يجب عنة أحد حتى الآن، ولم يقل لنا أحد أين توجد كراسات الموسوعة والكتاب؟.

فقد اغتيل جمال حمدان المؤرخ المصري، في 1993، عقب احتراق شقته في القاهرة، ووجد وقد احترق نصف جسمه، إثر تسرب غاز حسب الرواية الرسمية آنذاك، إلا أن شقيقه قال، إنه رأى أثار ضربة بأداة حادة في رأس جثة جمال، فيما لم تتجاوز الحروق منطقة الصدر.

كما ذكر شهود عيان، أن ثلاثة كتب انتهى حمدان من تأليفها اختفت من البيت، أهمها “اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل”، كما اختفى أجنبيان أقاما شهرين ونصف في شقة تقع فوق شقة حمدان. فهل قتل حرقا أم بضربة على الرأس؟! رحم الله جمال حمدان، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان
والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه إذا يعروه فقدان
في كل يوم ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

” الأهرام”

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE