الرئيسية / شخصيات مضيئة / ( عاشق الأزهر ) – الشيخ جاد الحق على جاد الحق
الشيخ جاد الحق

( عاشق الأزهر ) – الشيخ جاد الحق على جاد الحق

153- أيامي : عودة الشيخ جاد الحق ( 3 ) عاشق الأزهر

في احدى زياراتي للإمام الأكبر الشيخ جاد الحق ، وجدته مهموما محزونا و لما سألته عن سبب حزنه ؟

قال لي : أنا اعتبر أن كل ذرة رمل ، أو تراب من أرض الأزهر هي جزء من جسدي ووجداني ، و هناك قطعة أرض في ميدان المساجد بالإسكندرية ، تبرع بها أحد المواطنين ، لتكون معهدا أزهريا للفتيات في حي الجمرك ، و لكن شخصا آخر اشتراها من نفس البائع ، و يريد أن يقيم عليها ملهى ليلي ، و القضية في المحاكم منذ فترة غير قليلة .

الشيخ جاد الحق

 قلت : وما هو مطلوب لكي يملك الأزهر هذه القطعة ؟

 قال : المطلوب وجود متبرع يقيم هذا المبنى ، ووجود شخص يريد العمل ، و يكون لديه استعداد للتعرض لكثير من المشاكل و المصاعب ، لأن الذي اشترى هذه المساحة للمرة الثانية رجل ذو نفوذ ، و يستخدم مجموعة من البلطجية ، يعملون له ما يريد .

 قلت : و إذا وجد من يقوم بهذا العمل ؟

قال : أنت ؟!

قلت : نعم

قال : من أجل هذا كلمتك ، ولم أكلم أحداً غيرك في هذا الموضوع ، و بذلك نكون قد وجدنا الشخص ، فمن هو المتبرع ؟

 قلت : أنت تعرفه جيدا ، و هو الذي قابلته في الدقهلية في قرية بلقاس خامس ، و من يومها  و هو يضع جزء من ماله في خدمة الأزهر ، كما طلبت منه سيادتكم .

قال : الأستاذ محمد رجب .

 قلت : نعم ، و هذا هو رقمه فكلِّمه الآن . اتصل الشيخ به ، و اخبره بما يريد ، ووافق الرجل فورا ، و بدون تردد ، و قال له : الدكتور محمد أبو زيد الفقى سيتغلب علي هذه المشاكل ،       و المطلوب منك يا مولانا أن تدعوا له بالتوفيق ، لأنك رجل مبارك .

قال الإمام : لقد وافق الرجل و جعل مسئولية التنفيذ عليك .

قلت : و أنا مستعد – بإذن الله تعالى لذلك – و سوف أبدأ من الآن .

قال : الموضوع ليس سهلا كما تتصور ، و ربما تعرضت لإذاء بدني ، أو نفسي .

قلت : ادعو لي يا فضيلة الإمام ، و الله تعالى لن يتركني لهؤلاء البلطجية ، و لو كتب علي الموت كان ذلك هينا في سبيل الأزهر ، و ربما كانت مناسبة طيبة للموت .

  في اليوم التالي ذهبت إلي الإسكندرية ، ووجدت أن الرسم الهندسي قد انتهى ، و تحدد المبلغ الخاص بالمبنى بارتفاع أربعة أدوار ، و قابلني المقاول ، و قال لي : ماذا سنفعل ، و ليس معنا رخصة للبناء ، أو الحفر ، و نحن في ميدان المساجد ، و أمام مسجد الشيخ ياقوت العرش مباشرة .

قلت له : سوف أذهب إلي الورشة و أحضر لك يافطة تضعها أما مكان العمل .

قال : و هل هذه اللوحة ستحمينا من القانون و لوائح الحى ؟

قلت له : هذه اللوحة مكتوب عليها ( مكتبة سيدة مصر الأولى ) ، و بعد وضعها لن يسألك أحد ، بل سيقدمون لك كل مساعدة – و كانت سيدة مصر الأولى في هذا الوقت تتبنَّى نشر مكتبات الأسرة في كل مكان ، و تطبع الكتب بأسعار زهيدة  جدا – و من هنا سيمر الموضوع بدون مشاكل ، المهم أن تعمل أنت تحت هذا العنوان و تنبه المهندسين، و المشرفين ، و العمال بأن هذا المبنى مكتبة و ليس معهدا.

  مضى العمل في المبنى بدون مشاكل ، و الغريب في الأمر أن السيدة رئيسة الإدارة الهندسية في الحي كانت تسكن في العمارة التي تجاورنا تماما ، و كانت تحىِّ العمال ، و ترفع معنوياتهم في الذهاب و الإياب ، و تقول – ضاحكة – متى ستنتهون من هذا العمل ، حتى نقابل سيدة مصر الأولى في الافتتاح ، ولابد أن تخبروني بوعد الافتتاح  لأن رئيس الحي يتعجل ذلك اليوم .

  مضى العمل في هذا المبنى علي هذه الوتيرة ، لا يعكر صفونا ولا يعطِّلنا عن عملنا شيء ، حتى وصلنا في خلال ستة أشهر إلي الدور الرابع ، و في يوم من الأيام ، كانت السيدة المهندسة – جارتنا – خارجة من بيتها إلي عملها ، و كانت هناك كمية من المياه تمنعها من السير ، فقام أحد العمال بمساعدتها في العبور ، بأن وضع لها مجموعة من الألواح الخشبية ، و بعد أن عبرت ، و شكرته على مساعدته ، سألته كالعادة ، متى سينتهى العمل في المكتبة ، و نتشرف بمقابلة السيدة الأولى ؟ قال لها و هو لا يدري بما اتفقنا عليه مع زملائه – و كان يحضر للموقع لأول مرة – : أي مكتبة و أي سيدة ، إن هذا معهد أزهري للبنات ، و كانت هذه هي القشة التي قسمت ظهر البعير .

   ذهبت المهندسة إلي الحي ، و أبلغت رئيس الحي بحقيقة الأمر ، و قام رئيس الحي برفع مذكرة إلي الشرطة ، و من هناك إلي النيابة العامة ، و في خلال ثلاثة أيام قررت النيابة ضبط  و احضار ثلاثة : صاحب المال – المقاول – كاتب هذه السطور – و كانت هذه بالنسبة لي مشكلة كبيرة لا أستطيع حلها .

   في اليوم التالي ذهبت إلي فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق ، و حكيت له ما حدث .

قال لي : لا تخف سأتصل بوزير الإسكان الآن  .

قلت له : لقد فعلت ما أمرتني به ، و الموقف الآن حرج ، و صاحب المال لو ذهب إلي النيابة ، ولو لمرة واحدة ، فسوف لا يساعدنا مرة أخرى ، ولابد أن تكلم رئيس الجمهورية الآن –        و كنت أعرف علاقته برئيس الجمهورية ، و لهذا موضوع آخر – و سوف أذهب للوضوء ،     و الصلاة في ركن بعيد من المكتب حتى تكلمه كما تشاء – و بعد انتهائي من الصلاة في مكتبه ناداني ، فذهبت إليه .

 قال لي : لقد كلمت الرئيس ، و قال لي : إن وزير الإسكان سيكلمك حالا ، و يفعل لك ما تريد ، و طلب منى الانتظار حتى أسمع كلام وزير الإسكان ، و بعد قليل دق جرس الهاتف ، و كان علي الطرف الآخر وزير الإسكان ، و قال للشيخ : لقد أمر السيد الرئيس بأن تجتمع لجنة الارتفاعات غدا ، و تأخذ القرار برفع المبنى إلي خمسة أدوار ، و يكتب القرار ، و يرسل لك في نفس اليوم فقلت للشيخ : إن الوزير لم يتكلم عن النيابة ، و الحى .

قال لي : أنا لم أكلمهم عن ذلك بل كلمت الرئيس عن الارتفاعات ، لأن عدد الفتيات في الحي كثير ،  و نحن في حاجة إلي دور خامس . ثم قال الشيخ : سيصلنا القرار غدا في الواحدة بعد الظهر ، و عليك أن تبقى في القاهرة حتى هذا الموعد ، و بالنسبة للمبيت ليتك تشرف بيتنا هذه الليلة .

قلت : لدي سكن في القاهرة ، و سأقضى أغلب الليل في عمل أجلته من مدة ، و أنا شاكر فضل سيادتكم ، و الله يجازيكم عني و عن الإسلام ، و الأزهر خير الجزاء .

 حضرت في اليوم التالي في الموعد – الواحدة بعد الظهر – ووجدت مندوب الوزارة عند الشيخ ، و معه حقيبة بها القرار و صور كثيرة معتمدة منه ، فأعطاني الشيخ ( 10 ) عشرة صور من القرار ، وفي اليوم التالي ذهبت إلي الإسكندرية ، و أعطيت المحامي صورة للنيابة ، و صورة للحي ، و طلبني رئيس الحي و أخبرني أنه سيقدم لنا كل مساعدة بعد قرار الوزير ، ولكن حدثت مفاجأة أن المقاول سحب معداته ، و رفض إكمال الدور الخامس بسبب ما تعرض له من بعض الأشقياء في الحي ، و قمت أنا بتنفيذ الدور الخامس ، بعد أن شكلت مجلس إدارة من وجهاء الحي ،  و أصحاب الكلمة فيه ، ثم حاولت تقريب هؤلاء الأشقياء مني فوجدتهم مجموعة من البؤساء ، يسرقون مواد البناء ، و يشربون بها مخدرات ، و هذه تجعلهم يقتلون أو يُقتلون لا يهم . فقلت لهم : إن الحياة بهذا الشكل لا قيمة لها فتعالوا أعملوا معي بمرتبات جيدة ، و عندما ينتهي العمل سوف أعينكم عمالا ، و موظفين في هذا المكان بشرط التوبة النصوح ، و العودة إلي الله تعالى  ، و بالفعل استقاموا ، و صلحت حياتهم ، و تعدَّلت أمورهم ، و هذا من فضل الله سبحانه وتعالى .

 لقد كان الشيخ جاد الحق عاشقا مخلصا في عشقه للأزهر مدافعا ، و منافحا عن كل شبر يُّتبرع به للأزهر .

 ملحوظة

 في هذه الأيام يرفض بعض المسئولين في الأزهر تشغيل المعاهد ، و يرفضون تعيين العمالة في المعاهد لكي لا يقوم الناس ببناء المعاهد بالجهود الذاتية بالإضافة إلي أمور أخرى لا أريد ذكرها .

بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم

 

ا . د / محمد أبو زيد الفقي

22 ربيع الآخر  1438هــ ، 21 يناير 2017م

www.sanabelalezaa.com   الموقع الالكتروني

Dr. MoHaMMeDAboZeeDAlfeQy   صفحة الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE