الرئيسية / مقالات / علامات الشيخوخة على بلد شاب
صحراء مصر تطرح سمكا

علامات الشيخوخة على بلد شاب

د. جمال عبد الجواد :

مصر بلد جديد جدا. هذا هو ما بينه التعداد الأحدث للسكان والمباني. فمن بين المعلومات الكثيرة التى كشف عنها التعداد تبين أن الأغلبية الساحقة من المبانى الموجودة فى مصر قد تم بناؤها فى الأعوام السبعة والعشرين الممتدة بين عامنا هذا وعام 1990، فخلال هذه الفترة تم بناء 73.4% من إجمالى المبانى الموجودة حاليا على الأرض المصرية. الأرقام تشير إلى أننا كدنا نعيد بناء هذا البلد من جديد خلال ربع القرن الأخير. ومع هذا فإننى لا أظن أن أغلبنا يشعر بكل هذه الجدة من حوله، أو أنه سعيد بها، ولا يفضل لو أننا أبقينا على القديم ، فى موجة حنين للماضى طاغية باتت تمثل أهم معالم المزاج العام فى بلادنا.

الأشياء الجديدة تبعث البهجة والحيوية فى النفوس. هذا هو ما تفعله الملابس والسيارات والكتب والكراريس الجديدة، فهل تطلق المبانى الجديدة فى مصر فى النفوس نفس مشاعر البهجة والحيوية؟ ما لم نكن نتحدث عن التحف الفنية النادرة التى تكتسب قيمتها من جمالها ومن قدمها، فإن الأشياء الجديدة لدى عموم الأسوياء من الناس هى مرادف لأشياء جميلة، تم تصميمها بمهارة كى تستجيب لاحتياجات مستخدميها، حالتها جيدة، وتبدو عليها النظافة والنضارة فالزمن لم يفعل فعله بها بعد. أشك أن المبانى الجديدة فى مصر تثير فى نفوس من يسكنون فيها ومن يشاهدونها كل هذه المعانى الإيجابية. فالمبانى الجديدة عندنا إما أنها تفقد ألقها سريعا، أو أنها تولد قبيحة المنظر، فيختفى عن المشهد العام لبلدنا عنصر الجدة، وما يجلبه من إحساس بالبهجة. لاحظ أننا نتحدث عن ثلاثة أرباع المبانى فى مصر، وليس عن القلة النادرة من مبانى الأحياء السكنية ذات الأسوار والبوابات، والتى لا تمثل سوى جزء ضئيل جدا من المبانى فى مصر، رغم حضورها الطاغى فى وسائل الإعلام والإعلان.

المبانى الجديدة عندنا تفقد بهاءها بعد فترة قصيرة من بنائها. ألوان المبانى الجديدة الزاهية سرعان ما تتلاشى، وتتغطى بطبقة من التراب الناعم المميز لبلدنا. لا يوجد فى مصر ما يلزم ملاك المبانى بإزالة التراب عن الواجهات، أو إعادة طلاء المبنى بشكل دوري. المبانى السكنية عندنا تباع شققا، وكل مالك شقة يحب أن يفعل فى ملكه ما يشاء، بما فى ذلك تلوين الجزء الذى يخصه من واجهة المبانى بالطريقة التى يحبها، فيتحول المبنى الواحد إلى مجموعة من الرقع المتنافرة. بعضهم يحول شرفة شقته إلى غرفة، ويبنى فى سبيل ذلك حوائط تبقى بلون الطوب الأحمر، أو أنه يغطيها بطبقة من الأسمنت بلونه الرمادى الكالح. بعضهم يستخدم الزجاج بدلا من الطوب، لكنه لا يهتم بتنظيف الزجاج من الخارج، فتجد المبنى الجديد وقد ظهرت عليه بقعة ترابية تغطى الواجهات الزجاجية المستحدثة. الماء الناتج عن أجهزة التكييف يسهم فى إفساد الواجهات الجديدة بسرعة. الفتحات الناتجة عن أجهزة التكييف الشباك تشوه بهاء المبنى الجديد حتى بعد سدها.

إذا تركت واجهات المبانى وانتقلت إلى داخلها فقد يصدمك مستوى النظافة والإضاءة وحال المصاعد والسلالم، والسبب فى هذا هو قانون اتحاد الشاغلين، الذى يكاد يجعل من صيانة ثروتنا العقارية أمرا اختياريا، فتجد المبنى الجديد وقد تعطلت مصاعده واتسخت مداخله، فيصبح بسرعة شيئا قديما منفرا، يهرب منه سكانه، ولا غرابة والحال هذه أن تجد أبناء الطبقة الوسطى فى مصر فى حالة بحث دائم عن سكن جديد.

الكثير من المبانى الجديدة عندنا تولد قبيحة عليها علامات شيخوخة مبكرة. دعك من التصميمات وجمالياتها، فهذه مسألة تذوق، لكن ماذا عن الطوب الأحمر الذى يفرض نفسه على عينيك أينما اتجهت، والذى يعتبر اللون المعتمد للعشوائيات المنتشرة فى أنحاء البلاد. العشوائيات فى أغلب الأحوال هى تجمعات سكانية مزدحمة تمت إقامتها على أرض زراعية موجودة على أطراف المدينة، فحولت المشهد الرائع للأرض المزروعة إلى كتلة من الطوب الأحمر، وهى الكتلة التى تبقى قبيحة رغم أنها غالبا جديدة. على قدر قبح مشهد العشوائيات، علينا أن نتذكر أن كل ما نراه فى مشهدها من قبح لا يقاس بالقبح الذى يعانى منه من أجبرتهم ظروفهم على العيش فيها، وليس فقط قيادة سياراتهم من حولها.

أغلب سكان مصر يعيشون فى الريف، وأغلب المبانى المصرية، يتم بناؤها فى الريف أيضا، هذا هو ما بينه تعداد السكان، المصريون فى الريف يمثلون 57% من جملة المصريين. أهل الريف يفضلون السكن العائلى المستقل، ولا يحبون مشاركة مساكنهم مع الأغراب، لذا نجدهم يحتاجون إلى مبان أكثر. المبانى التى تم بناؤها فى الريف منذ عام 1990 تمثل 73.1% من المبانى التى تم بناؤها فى مصر منذ ذلك الحين.

البناء فى الريف يتم فى أغلبه على أرض زراعية نخسرها إلى الأبد لسد حاجة الناس للسكن. يصعب على النفس الشعور بالبهجة لمشاهدة المبانى بالأعمدة الخرسانية وحوائط الطوب الأحمر وهى تأخذ مكان الزرع الأخضر. سكان المبانى الريفية ليسوا أفضل حالا كثيرا من الناظرين لهذه المبانى عن بعد. كل شقة جديدة يتم بناؤها فى الريف لتسكن فيها أسرة ناشئة من شاب وفتاة حديثى الزواج هى خصم من الأرض المنتجة ومصدر الثروة. الشقة الجديدة والأسرة الناشئة تبعث البهجة والفرح، لكن خسارة الأرض وتآكل الثروة لا يمكن إلا أن يكون سببا للقلق. الأمة التى تسكن فى شقق جديدة لا يمكن أن تبتهج عندما يقترن الأمر بتآكل أسباب الثروة، ولكنها الضرورة وأحكامها.

نريد حكومة تضع من السياسات ما يجعل كل مبنى جديد يتم بناؤه على أرض مصر مصدرا لإسعاد أصحابه والناظرين إليه. نريد حكومة تحل مشكلة الإسكان فى الريف، بدلا من الاكتفاء بمحاضر مخالفات البناء على الأرض الزراعية. نريد حكومة تضع من السياسات ما يجعل المبانى الجديدة متعة للناظرين، أو على الأقل يمنعها من أن تكون قبحا يؤذى العين. نريد سياسات تحافظ على نضارة المبانى الجديدة التى نبنيها، وتصونها ضد الكلاحة، ففى هذا حماية لثروتنا العقارية، وفيه تحسين أكيد لمزاج الشعب وحالته النفسية.

” الأهرام”

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE