الرئيسية / رفقاً بالقوارير / شخصية المرأة في القصة القرآنية (قصة أخت موسى)
أخت موسي

شخصية المرأة في القصة القرآنية (قصة أخت موسى)

بقلم : أ.د/ غانم السعيد محمد غانم

أستاذ الأدب والنقد – جامعة الأزهر

قدم لنا القرآن الكريم مع قصة أم موسى صورةً أخرى لشخصية المرأة، وذلك عندما تكون أختًا، فكما أن للمرأة عواطفها ومشاعرها الخاصة عندما تكون أمّا فإن لها -أيضًا- عواطفها ومشاعرها حينما تكون أختًا.

ومجمل ملامح شخصية أخت موسى عليه السلام أنها كانت فتاة فطنة لبقة ذكية فصيحة، قادرة على كبح جماح عواطفها ومشاعرها إذا كان الموقف يستدعي ذلك، وبهذه الملامح الطبيعية في شخصيتها تمكنت من إعادة أخيها إلى أحضان أمها دون أن يشعر فرعون ومن حوله أن هناك رابطة ما بينها وبين هذا الرضيع.

أخت موسي

ولنذهب إلى القرآن لنرى -من خلال حديثه عنها- أهم الملامح والقسمات المميزة لشخصيتها، يقول الله -عز وجل- حكاية على لسان أم موسى:

(وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)

(القصص: 11)

فالتعبير بكلمة (أخته) دون (ابنتها) فيه تصريح بمدار المحبة الكامنة في نفس هذه الأخت تجاه أخيها فأثار التعبير بكلمة (أخته) كل مشاعر وعواطف الأخوة التي تملأ جوانحها؛ مما كان له أثره في امتثالها لما أمرتها به أمها.

و(القص): اتباع الأثر، استُعمل هنا في تتبع الذات بالنظر، وتتبعها لذات أخيها كما يتابع القاص الأثر وما يستلزم ذلك من جهد وعناية وحرص شديد، إشارة إلى الجهد والعناية التي طلبتهما الأم من ابنتها وهي تراقب حال أخيها.

وكانت الأخت على قدر المسئولية التي أرادتها منها أمها، يحدوها في ذلك عاطفة الأخوة التي تملأ عليها جوانحها تجاه أخيها.

فيقول القرآن مصورًا حالها وهي تؤدي مهمتها:

(فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)

(القصص: 11)

تأمل قوله: (فبصرت به) دون: (أبصرته)؛ وذلك للدلالة على شدة عنايتها واهتمامها بأمر أخيها، وحرصها الشديد على مراقبته؛ لأن معنى (بَصُرَ بالشيء) أي صار ذا بصر به، أي: باصرًا له، فهو يفيد قوة الإبصار، أي: قوة استعمال حاسة البصر، وهو التحديق إلى المبصر، فـ(بصر) أشد من (أبصر)، كما أن (الباء) الداخلة على مفعول (بصر) هي باء السببية الدالة على شدة العناية برؤية المرئي حتى كأنه صار باصرًا بسببه، ويجوز أن تكون هذه الباء مبالغة في معنى الفعل.(1)

ثم يكشف لنا القرآن عن مدى الذكاء والفطنة التي تتحلى بها تلك الأخت من خلال وصفه لها في مراقبتها لأخيها، فهي تراقبه عن (جنب)، أي: من على بعد، أي من مكان بعيد (وهم لا يشعرون) بأنها تراقبه وتتابع أحواله، وهذا -طبعًا- مرده حذق أخته وذكاؤها في كيفية مراقبته.

وبعد أن امتنع أخوها عن التقام أي ثدي غير ثدي أمه، وبعد أن فشا في الناس طلب المراضع له وتبديل مرضعة عقب أخرى حتى عُرض على عدد كثير من المرضعات في مدة قصيرة، وذلك بسرعة مقدرة آل فرعون وكثرة تفتيشهم عن المراضع حتى ألْفَوا عددًا كثيرًا في زمن يسير، وأيضًا لعرض المراضع أنفسهن على آل فرعون لما شاع أنهم يطلبون مرضعًا.

هنا تجد الفتاة -بحسن تقديرها- أن هذا الوقت هو الوقت المناسب لتعرض عليهم خدمتها دون أن يشك في أمرها أحد، وقد جاء عرضها في أسلوب دقيق محكم يكشف عن ذكائها وبلاغتها:

(فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)

(القصص: 12)

فـ(الفاء) في قوله: (فقالت) فاء الفصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي: فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم من غير قصد، وهذا دلالة على ذكائها وبراعتها في طريقة تدخلها معهم دون أن تثير أي شبهة حولها، كما أحسنت تقدير الوقت الذي تدخلت فيه، فهي لم تتدخل إلا بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له، وتبديل مرضعة عقب أخرى، وهو يرفضهن جميعًا، ولو قالت لهم ما قالت قبل شيوع هذا الأمر في الناس لأثارت حولها الشبهات، ولأدخلت نفسها فيما لا يحمد عقباه بالنسبة لأخيها موسى عليه السلام.

ثم تأمل ذكاءها في حرصها الشديد على أن تدفع عنها أي مظنة لأي اتهام، وذلك حينما قدمت خدمتها لهم عن طريق الاستفهام المستعمل في العرض؛ حتى لا يبدو منها حرص على ذلك؛ إبعادًا منها للمظنة عن نفسها، كما أن العرض بهذا الأسلوب فيه تلطف مع آل فرعون، ومراعاة لمقامهم مما يكشف عن لباقتها وفصاحتها.

ومما يؤكد على نباهتها وفطنتها، وقدرتها على التعبير عن مكنون نفسها اختيارها لألفاظها بدقة وعناية، بحيث تتناسب مع الموقف الذي تقف فيه فقولها: (أهل بيت): كلمة (أهل) توحي لمن يسمعها بالأنس، والألفة، والمحبة، والعناية، والرعاية المخلصة، وهذا ما يريده آل فرعون ممن تقوم على إرضاع هذا المولود.

وقولها: (بيت) دون تحديد وتعريف لهذا البيت وأهله، هو من باب حرصها الشديد على أن لا ينكشف أمرها وأمر أمها، فلو أنها أفصحت عن هذا البيت وأهله لكان من الممكن أن تثير حولها وحول أمها الشبهات.

ثم تأمل تعبيرها عن تعهد أهل هذا البيت لهذا الولد، وحفظه، وإرضاعه، بالجملة الفعلية (يكفلونه لكم)، وتعبيرها عن عدم تقصيرهم في إصلاحه وتربيته بالجملة الاسمية (وهم له ناصحون) فالتعبير بالجملة الفعلية أفاد أن إرضاعهم ليس أمرًا ملازمًا لهم، أي: ليس وسيلة استرزاق أساسية لهم؛ فعندهم من وسائل الاسترزاق الأخرى ما يغنيهم عن هذا الأمر، فهذا يدل على أنهم إن قبلوه فغرضهم الأساسي إرضاء آل فرعون، ومشاركة منهم في حل هذه المشكلة التي عانوا بسببها كثيرًا، ولا يخفى أثر هذا التعبير على آل فرعون حينما يرون بيتًا من أهل مصر يحاول أن يساعدهم في إنهاء هذه المعاناة التي استعصت على الحل، فلا بد أن يجد هذا العرض قبولًا منهم، واستحسانًا لصنيع أهل هذا البيت.

أما التعبير بالجملة الاسمية في قولها: (وهم له ناصحون)، فقد قصدت التأكيد على أن النصح -وهو: العمل الخليّ من التقصير والفساد- طبيعة فيهم، وسجية من سجاياهم، وجاء تعليق (له) بـ (ناصحون) ليس على معنى التقييد (أي: أن نصحهم له دون غيره) بل لأنه حكاية الواقع، فالمعنى: أن النصح من صفاتهم، فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم.

وكان من نتيجة هذا الذكاء، والفطنة، والحرص الشديد من هذه الفتاة على أن تموه أمرها على آل فرعون وهي تتابع حركات أخيها وحسن تدبيرها باختيارها الوقت المناسب للتدخل عند آل فرعون، وبلاغتها في دقة اختيارها لألفاظها وهي تعرض خدمتها عليهم، لكل هذه الأسباب نفذت إرادة الله، وعاد موسى إلى أمه كي تقر به عينها ولا تحزن.

فكانت هذه الأخت نموذجًا لما يمكن أن تتمتع به المرأة (الفتاة) من ذكاء، وفطنة، وحسن إدراك للأمور، وقدرة على أن تتخفى وراء كل هذا؛ للوصول إلى قصدها دون أن يشعر بها أعتى العتاة في الكيد والخداع والمكر.

إن القرآن يقدم لنا هذا النموذج ليثبت لنا من خلاله أن المرأة في ميادين الذكاء، والفطنة، وحسن التدبير، والقدرة على التعبير عن مكنون نفسها دون أن تسيء القصد، لا تقل عن الرجل شيئًا، بل ربما تفوقت عليه. والله أعلم بمراده.

 المصدر : مجلة الأزهر

تعليقات الفيس بوك
Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE